إطلالة (1) العدل قيمة الحياة الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه .

تحمل كلمة العدل – في اللغة – عدداً من المعاني، والمضامين التي تدل على عدم الجور، أو عدم الميل، ومن هذا (العِدْل) وهو الحمل الذي يوضع على أحد جانبي البعير، أو الدابة، ولا يستقيم أمره، ولا يمكن حمله على حالته التي هو عليها إلا إذا وجد له حِمل يساويه في الجانب الآخر، وحين يوجد فإنه يمكن حينئذ للدابة رفع هذه الحمولة، والسير بها بدون اضطراب، أو خلل أما حين يزيد أحدهما على الآخر أو لا يوجد فإن التوازن المطلوب يصبح مختلاً، ويؤدي بالتالي إلى إرهاق الدابة، وسقوط الحمولة.

ومن معاني (العدل) : المكافئ للشيء ،الذي يقوم مقامه، ويسدّ مسدّه، ومنه (الفدية) التي يفتدى بها الأسير، فإنها مكافئة لقتله، أو سجنه، ومن ذلك قوله تعالى: { ولا يقبل منها عدل}(سورة البقرة 123)، وقوله تعالى: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}(سورة الأنعام 70).

وكما في قوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه الإمام البخاري وغيره عن المدينة :" من أحدث فيها حدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً "، وقوله (صلى الله عليه وسلم) أيضاً فيما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) :" من قتل مسلماً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ".

ومعنى العدل في الشرع مأخوذ من هذه المعاني اللغوية، فهو:

وضع الأمور في نصابها الصحيح، وإعطاء كل ذي حق حقه.

ولما كانت الشريعة الإسلامية هي الشريعة الخاتمة الخالدة التي حوت هداية الله للعالمين، فإنها قد عنيت بقية العدل، وتثبيتها، وإقامة بنيانها في المجتمع بكل فئاته، وطوائفه، ومكوناته باعتباره من أعظم مقومات الحياة التي لا يمكن أن تستقيم بدونها، بل إن القرآن الكريم بيّن أن إقامة العدل بين الناس هو الأمر الذي جاءت الرسالات السماوية كلها لتحقيقه، والتمكين له، قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (سورة الحديد 25) وقال جل ذكره أيضاُ : {والسماء رفعها ووضع الميزان () ألا تطغوا في الميزان () وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}(سورة الرحمن 7-9).

قال الإمام ابن كثير في معنى هذه الآية: أي – خالق السماوات والأرض بالحق والعدل، لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل... .

ولذا فان التزام العدل كما أنه تحقيق لمقصد الشريعة المقررة، فإنه يدل دلالة قاطعة على ربانية مصدر هذه الشريعة، وعمومها للخلق، وأنها أكبر من أن تكون خاصة بفئة، أو محدودة بزمن، بل هي فوق نوازع البشر، وفوق تصوراتهم، وأهوائهم، إنها كلمة الله خالق البشر الذي ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، هو الخالق لهم، وهو أعلم بما يصلحهم.

وكيف لا يكون الحال كذلك، والعدل صفة من صفات الله الخالق سبحانه، وقد جاء الأمر بالعدل في نصوص كثيرة من نصوص الشريعة الإسلامية في مقام الأمر به، والثناء على فاعله، وبيان عظم منزلته في مناسبات عديدة، منها قوله تبارك تعالى:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ...} (سورة النساء 58).

وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا أن تعدلوا ...} (سورة النساء 135).

وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ..} (سورة المائدة 8).

وقوله مخاطباً نبيه (صلى الله عليه وسلم) في شأن الحكم بين أهل الكتاب: { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} (سورة المائدة 40).

وقوله موجهاً عباده المؤمنين جميعاً: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ..}(سورة الأنعام 152).

 

 

إطلالة (2) وقفات مع نصوص اخرى فى العدل

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قوله سبحانه وتعالى:{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون }(سورة النحل 90).

هذه الآية العظيمة التي تلزم بالعدل في الأمور كلها، والتي عدّها الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) أجمع آية في كتاب الله لخير يمتثل، ولشر يجتنب.

وقد ذكر الله في هذه الآية ثلاثة أمور مطلوبة، وهي: العدل، والإنصاف، وإيتاء ذي القربى. وذكر فيها أيضاُ ثلاثة أمور منهي عنها، وهي: الفحشاء، والمنكر، والبغي.

ولدى التأمل فيما ذكر نجد أن جماع هذه الأمور المذكورة متحقق في الأمر المطلوب الأول، وهو: العدل؛ ذلك أن تحقيق العدل يقتضي عدم الميل، وعدم التأثر بنوازع النفس، وأهوائها، وحتى يتحقق ذلك، وحتى يقع الاطمئنان بحصوله يأتي الأمر بالإحسان الذي هو البرهان العملي الصادق على الاستجابة لأمر الله، والانتصار على النفس، والحال كذلك في المطلوب الثالث، وهو: إيتاء ذي القربى؛ إذ النفوس ربما تستسهل الجور والميل على القريب بداعي المعرفة اللصيقة به، والخبرة بأحواله، وعدم إطلاع الناس على كثير مما يلاقيه من عنت قريبه، وكذلك عدم شكهم في عطف قريبه عليه ورعايته له، فكان التأكيد على برّه وإيتائه أصدق دليل على العدل، والاستجابة لأمر الله.

كما أن الأوصاف الثلاثة المنهي عنها يجمعها عدم العدل مع النفس، أو مع الآخرين، لأن الفحشاء، وفعل المنكر ظلمٌ للنفس، وجور عليها، والبغي جور على الخلق، ومن هنا كانت هذه الأوصاف منافية للعدل ،فكأن أمر الله بالعدل في الثلاثة الأول، ونهى عما يضادها في الثلاثة الأخر.

وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الثناء على العدل، والتحبيب فيه، والتنفير من عدمه أحاديث كثيرة منها:

ما رواه الإمام مسلم عن عبدالله بن عمر (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال :" إن المقسطينَ عند اللِه ، على منابرَ من نورٍ . عن يمينِ الرحمنِ عز وجل . وكلتَا يديهِ يمينٌ ؛ الذين يعدلونَ في حُكمهِم وأهليهِم وما وُلّوا"

وما رواه مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" سبعةٌ يُظلِّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه وذكر أولهم فقال :" الإمامُ العادلُ".

وما رواه الإمام مسلم عن النعمان بن بشير (رضي الله عنه) قال: تصدَّق عليَّ أبي ببعضِ مالِه . فقالت أمي عَمرةُ بنتُ رواحةَ : لا أرضى حتى تُشهدَ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم). فانطلق أبي إلى النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) ليشهدَه على صدقتي . فقال له رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):" أفعلْتَ بولدِك هذا كلِّهم ؟" قال : لا . قال:" اتَّقوا اللهَ واعدِلوا في أولادِكم" . فرجع أبي . فردَّ تلك الصدقةَ .

ومما يذكر هنا في الحرص على إقامة العدل حتى ولو خالف هوى النفس ما رواه مالك عن ابن شهاب عن سليمانَ بنِ يَسارٍ أنَّ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) بعث عبدَ اللهِ بنَ رواحةَ (رضي الله عنه) يخرِصُ تمر خيبر على يهود، فجمعوا له حُلِيًّا من حُليِّ نسائِهم فقالوا : هذا لك فخفِّفْ عنَّا وتجاوزْ في القَسْمِ ، فقال عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ (رضي الله عنه) يا معشرَ اليهودِ واللهِ إنَّكم لمن أبغضِ خَلقِ اللهِ إليَّ وما ذلك بحاملي على أن أحيفَ عليكم، فأمَّا ما عرضتم من الرِّشوةِ فإنَّها سُحتٌ وإنَّا لا نأكلُها، فقالوا: بهذا قامت السَّماواتُ والأرضُ.

 

 

إطلالة (3) في أي شيء يكون العدل ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العدل الذي أمر به وعظم شأنه شامل لكل شؤون الحياة، وهو حق لكل مخلوق، حتى المخلوقات التي لا تعقل من الدواب، والطيور، والهوام، والحشرات، والأشجار، والنباتات، والجمادات، فإن الله قد خلق كل شيء بحكمته، وقدره تقديراً، ومن العدل عدم تضييع شيء خلقه الله، أو التسبب في ذلك بغير وجه حق؛ لأن ذلك جور من العبد على مال سيده.

وإن كان أعظم العدل في حق العبد على الله، وحق العبد على غيره من العباد. والقسم الأول منه - وهو العدل في حق الله- يكون في توحيده، وطاعته، والاستجابة لأمره، وعدم الوقوع فيما ينهى عنه.

أما العدل في حق المخلوق، فأوله العدل في حق النفس، بأن لا يجور عليها بتحميلها ما يقعدها ويعجزها عن أداء حق الله عليها، أو الحقوق المتعلقة بها للخلق،ومن أعظم ذلك الإسراف عليها بالمعاصي، والبعد عن الله.

ومن العدل فى القسم الثانى ،الواجب للمخلوق العدل مع الأولاد، والأقارب، والأزواج بأن يؤدي لكل حقه من غير جور، ولا تعد، فإن هذه أمانات سيحاسبه الله على التفريط، ومجافاة العدل فيها، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن عبدالله بن عمر (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:" كلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتِه، فالإمامُ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيتِه، والرجلُ في أهلِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيتِه، والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعيةٌ، وهي مسؤولةٌ عن رعيتِها، والخادمُ في مالِ سيدِه راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيتِه ".

ومن أوجه العدل التي أوجبتها الشريعة، وأولتها عناية كبيرة المعاملة بين الناس في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والحديث والخطاب، والنصح والإرشاد، وسائر ما يقع بين الناس؛فإن توخي إقامة العدل فيه هو البرهان العملي لصدق الإيمان.

وقد تقدم في الإطلالة الأولى ذكر قوله تعالى:{ وإذا قلتم فاعدلوا..} وورد قوله تعالى: ويل للمطففين () الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون () وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون }.

ومن هنا تتضح أهمية سلامة المعاملات المالية وغيرها تحقيقاً لما أراده الله من إقامة العدل، وتحذيرا من مغبة مخالفة ذلك، بالتطفيف فى المكيال، والميزان (ويل للمطففين)، وأكل الربا {يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين () فان لم تفعلوا فأءذنوا بحرب من الله ورسوله...} وأكل أموال الناس بالباطل {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل...}، وكما فيه قوله (صلى الله عليه وسلم) فى التحذير من الغش" من غشنا فليس منا ".

ويتبع هذا العدل في كتابة الدين، والاتفاق بين الأطراف على أمر لا يخالف شرع الله، وهو ما يسمى ب(التوثيق).

فقد أمر الله بهذه الكتابة، وحذر من عليه الحق من البخس فيه، أو إخفاء بعضه، وذكر بتقوى الله في ذلك؛ لأن تذكرها هو الذي يردع عن المخالفة، فقال جل ذكره :{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا...}(سورةالبقرة282)

وكذلك أوجب أداء الشهادة على وجهها الصحيح، وحذّر من كتمانها :{ ولا تكتموا الشهادة....}.

ويأتي أمر الحكم بين الناس في أعلى سلم الأهمية؛ لأنه هو ملاذ العدالة في الدنيا، فمن توخى العدل في أحكامه أجر على إصابته الحق أجرين، أجر للاجتهاد، وأجر لإصابة الحق، ومن اجتهد ولكنه لم يوفق لإصابة الحق، لم يفته أجر الاجتهاد، كما جاء في الحديث الصحيح:" إذا اجتَهدَ الحاكمُ فأصابَ فلَهُ أجرانِ، وإذا اجتَهدَ فأخطأَ فلَهُ أجرٌ".

أما حين يتنكب الحاكم جادة الصواب، ويجور في أحكامه، فلا تسأل عما تحمّله من آثام، وما وقع فيه مما يغضب الله، ويتهدده بعذاب أليم.

وإن الأخذ بما استقرت عليه الأعراف الصحيحة من وجود المحاكم التي يختصم إليها الناس أمر سائغ شرعاً فقد وجد هذا من عصر النبوة، والعصور الراشدة بعده،كما انه سائغ عقلا؛ إذ لابد من وجود جهة تفصل فى الخصومات بين الناس في المجتمع؛ حتى لا يؤدي عدم وجود ذلك إلى العدوان، والاحتراب، ويتبع ذلك ايضاً مشروعية وجود اجهزة ادارية، وأجهزة مساندة لها، وكذلك تعدد درجاتها من المحاكم الابتدائية إلى محاكم الاستئناف إلى المحاكم العليا أو محاكم النقض، وكذلك تنوع اختصاصاتها؛ لأن هذا من تمام تمكينها من عملها، وتيسير تحسينه، وتجويده.

ومما هو سائغ أيضاً التحكيم بين المتخاصمين طلباً للوصول إلى فصل الخصومة من أقرب طريق وأيسره، وكذلك وجود مؤسسات أو أفراد يعملون في مجال المحاماة؛ فإن هذا كله مما يعين على تحصيل الحكم في القضايا المعروضة، وتيسير النظر في حجة كل من المتخاصمين.

وإن كان هذا كله يوجب على من دخل فيه، أو نصب نفسه له، أن يضع نصب عينيه مخافة الله، فيسعى إلى تحقيق العدل، ويبتعد عن الجور، بتحميل الأمور ما لا تحمل، أو إخفاء بعض الحقائق، أو التزوير، أو الكذب، وما شابه ذلك؛ لأنه إن استطاع أن يخدع الناس، فإن الله لا تخفى عليه خافية.

وإن مما يختم به هنا في التأكيد على قيمة العدل، وأن حرص الشريعة عليها هو الأمر المتسق مع طبائع النفوس السليمة، والفطر الصحيحة ما قامت به كلية القانون بجامعة هارفرد بأمريكا مؤخرا، حيث نقشت على الحائط المقابل لها الآية الكريمة في سورة النساء { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ...}.

وعلقت عليها بأنها تؤكد القوة الكبيرة لفكرة العدالة عبر الأزمان، وأنها تؤيد حاجة الإنسان إلى العدالة والكرامة.

 

 

إطلالة (4) أثر توافر المقصد من عقد البيع وعدمه في صحة العقد وفساده

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يعد البيع أهم أبواب المعاملات فبه يتحقق انتقال الأملاك وتداولها بطريقة عادلة منضبطة ، والتأمل والتدقيق في أركانه وشروطه يدل على ذلك فإنه لا بد من وجود عاقدين بشروط معينة معتبرة ووجود صيغة صحيحة تدل على الرضا وكون المعقود عليه متصفاً بالأوصاف المعتبرة شرعاً حتى يصح عقد البيع كما هو معلوم مقرر عند أهل العلم .

وهذه الأركان وشروطها مجتمعة تمثل الجانب الأساس الذي لا بد منه لعقد البيع من الناحية الشكلية (إن صح التعبير) بحيث لو فقدت أو فقد بعضها لم ينعقد البيع أصلاً وأصبح العقد كأنه لا وجود له لفقدانه الاعتبار الشرعي حتى لو وجد بعضها بناءً على القاعدة المعروفة أن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً .

لكن هناك أمورٌ تتجاوز الجانب الشكلي والنظري إلى معانٍ أخر يؤدي غيابها أو اختلالها إلى التأثير على صحة العقد .

وهي ما يعرف بالمقاصد والمآلات ، وهي مسألة في غاية الأهمية ؛لأنها المدخل الذي يتطرق منه الخلل إلى هذه المعاملة حتى مع توافر الأركان والشروط في الظاهر، وقد ذكر ذلك أئمة الفقه في مدوناتهم ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال : (قد تظاهرت أدلة الشرع على أن القصود في العقود معتبرة وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده ، وفي حله وحرمته ).(1)

وقد قعّد العلماء في باب المعاملات أن العبرة ليست للألفاظ المجردة، بل بما تدل عليه من المعاني فقالوا :(العبرة ليست للألفاظ والمباني وإنما للمقاصد والمعاني )،(2) وقد تطرق كثير من الباحثين المعاصرين الى هذا المعنى وأكدوا أهمية مراعاته. ولكني أريد أن أقف عند ثلاث نقاط كل واحدة منها جديرة بالبحث والتفصيل والتأصيل:

الأولى ، وهي مسألة تعرف القصد من البيع أو المعاملة ، وهذا الأمر إما أن يعرف بالنص عليه والتصريح به ، وحينئذ لا حاجة بنا إلى محاولة استنباط المقصد أو البحث والتنقيب عنه عملا بالقاعدة المعروفة : (لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح)(3) .

إلا إذا ظهر عيب أو خلل في إرادة العاقد ، كوجود إكراه ،اوعدم فهم المراد ،أو التعبير عن المعنى المقبول بلفظ غيرمقبول ونحو ذلك .

وإما أن يعرف القصد بقرينة من القرائن الحالية ، أوالمقالية ، ككون العرف الجاري أن هذه العقد يقصد به كذا وكذا من الأمور المنافية للشرع ، أو الموافقة له ، أو وجود ما يدل من الأقوال الثابتة كتابة أو شهادة ، ونحوها أثناء المفاوضة والمساومة ، أو قبلها تدل على المقصود الذي دفع بالعاقدين أو أحدهما إلى الدخول في هذا العقد .

وإذا كان الحال كذلك فإن مسألة تحديد القصد عنصر في غاية الأهمية يحتاج إلى تجلية ، وتفصيل وتأصيل.

كذلك مسألة المآلات وهي النظر في العواقب التي يفضي إليها إجراء المعاملة واعتمادها ، وهذا الأمر مما حرصت عليه الشريعة المطهرة وايدته أدلة كثيرة منها قوله تعالى :(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)(4).

وما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:(لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام) الحديث(5)

وقد تناول العلماء هذا الأمر وأصَّلوه وفصَّلوا فيه وهو دليل من الأدلة التابعة في استنباط الأحكام والترجيح بها في أصول الفقه وهو يتعلق بالترجيح بين المصالح والمفاسد .(6)

وكتب فيه في العصر الحاضر بحوث عديدة من أحسنها وأجمعها :(كتاب مآلات الأفعال عند الأصوليين وأثرها الفقهي للدكتور / وليد علي الحسين )، وهو رسالة دكتوراه من جامعة الإمام (مطبوع) (7).

وكتاب:( مبدأ اعتبار المآل في البحث الفقهي من النظرية إلى التطبيق ، للدكتور يوسف بن عبدالله حميتو ) وهو رسالة دكتوراه أيضا حصل عليها الباحث من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة في المغرب وغير ذلك .كما اعتنت به المجامع الفقهية ضمن العديد من دوراتها (8).

النقطة الثانية :

هي مسألة التعامل بعقود البيع التي تجريها المصارف الإسلامية أو غيرها . بقصد الترفّه بها من غير أن تدعو إلى ذلك ضرورة ولا حاجة لدى المتعاملين. وهذا يحتاج في نظري إلى أمرين :

أولاً : النظر في أعمال المصارف في هذا المجال وفتحها لهذا النوع من التعاملات لغير الحاجة والضرورة وهل هذا أمرٌ سائغ أو ممنوع؟

وقد يبدو حل هذه المعاملة إذا تحققت أركانها وشروطها وخلت من القصود المنافية والمآلات الممنوعة ؛لأن القصد إلى الاسترباح أمرٌ مشروع أباحه الله سبحانه وتعالى .

الثاني : النظر في إقدام المتعامل على هذا النوع الذي لا تدعو له ضرورة ولا ترهق له حاجة وهذا مع تحقق الأركان والشروط وانتفاء الموانع التي هي القصد المنافي والمآل الممنوع قد يدخل في مقصد التحسينات ومكملاتها .

وضبط هذا الأمر ودرء ما يخشى منه قد لا يتعلق بصحة المعاملة بل هو أمر يتعلق بالسياسات المالية التي تتخذها الدولة ممثلة في البنك المركزي والجهات الرقابية من ضوابط لسلامة الأسواق ولسلامة المتعاملين من الوقوع فيما يضرهم ،هذا جانب ، والجانب الآخر عالجته النصوص الشرعية العامة في السلوك والتصرف في حق الأفراد والجماعات كقوله تعالى :(ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) وقوله :(ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين..)

 

النقطة الثالثة : وهي قضية إيجاد البدائل المشروعة المنضبطة ،وهو أمر في غاية الأهمية والإلحاح؛ لأن الأسواق لا تنتظر وحاجات الناس في ازدياد ولها ضغوط كبيرة على المتعاملين، فإما أن تلبى بالصالح الحلال وإلا فإنها ستسد بغيره .

وأرى أنه لا بد من وجود مراكز بحثية على مستو عال من العلمية المهنية لإنتاج بدائل شرعية منضبطة تجتمع فيها الخبرات والتخصصات المطلوبة لمثل ذلك وهو أمر ليس بالعسير إذا صحت النوايا وصدقت العزائم .

وبالله التوفيق

أ.د. حمزة بن حسين الفعر الشريف